قاسم السامرائي
328
علم الاكتناة العربي الإسلامي
فإذا كان الأمر كذلك ، فلما ذا أصرّ ابن بديل على الحبر والرق دون القرطاس والمداد ، وهو أعرف بهما وبمصدرهما في زمانه ؟ والفرق يظهر واضحا في قول النديم : « وممن كتب بالمداد من الوزراء والكتاب . . . ومن كتب بالحبر » « 1 » ، فلو لم يكن هناك فرق بينهما ، لما فرّق بينهما النديم وهو ورّاق يعرف بصنعته الفرق بينهما . وقد أورد الصابي ؛ أن الوزير العباسي ابن الفرات المتوفى سنة 312 ه تذكّر طلّاب الحديث فقال : " لعلّ الواحد منهم يبخل على نفسه بدانق ودونه ويصرف ذلك في ثمن ورق وحبر ، وأنا أحقّ بمراعاتهم ومعاونتهم على أمرهم ، وأطلق لهم من خزانته عشرين ألف درهم " « 2 » ، فهل هذا يعني أنّ أصحاب الحديث اختصوا باستعمال الحبر في كتابة الحديث النبوي دون المداد ، كما فعل ابن بديل ؟ ومع هذا فإن الفرق بينهما يتضح أيضا في نصين قديمين لعمل الحبر والمداد نشر إبراهيم شبوح لهما تحليلا وافيا شافيا ، وسبق للشيخ محمد المنوني رحمه اللّه وإيانا أن نشر لثانيهما تحليلا مفصلا أيضا « 3 » ، وهما : 1 - الأزهار في عمل الأحبار لمحمد بن ميمون بن عمران المراكشي الذي كان حيا في بغداد سنة 649 ه حيث ذكر في المقالة الأولى : عمل الحبر الأسود المائع ، وفي الثانية : كيفية أنواع الحبر اليابس ، وفي الثالثة : عمل الحبر المختلف الألوان ، ثم عرّج على صنع المداد في المقالة الرابعة والخامسة والسادسة ، فلو لم يكن هناك فرق في صناعتهما لما فرّق بينهما .
--> ( 1 ) الفهرست ، تجدد ، 12 . ( 2 ) الوزراء 223 . ( 3 ) قبس من عطاء المخطوط المغربي ، لمحمد المنوني 1 / 333 - 337 .